تُدار من بعيد
20 يوليو 2026
 
 
 
حين يشعل التدافع بعيدا فتعاد صياغة موازيننا: تأمل فيما يعلَن وما يمارَس، ودعوة لغد لا يرتهن لما تحت الأرض.
من حكمة الأقدمين أن التدافع أبو التحولات؛ به تنقلب المراتب، فيغدو التابع متبوعا، والقوي واهنا. وتلك سنة لا يقوم بها السكون، بل الأخذ بالأسباب: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. فبالتدافع يمضي تدبير الله، ويظهر فضله؛ فله الحمد أولا وآخرا. وما أزمة مضيق هرمز اليوم إلا شاهد جليّ على ذلك؛ فبقرار سيادي يتخذ من بعيد، ينشب صراع لا ناقة لنا فيه ولا جمل، ثم تعاد، عبر جغرافيتنا، صياغة موازين العرض والطلب وحركة الاقتصاد العالمي في شتى قطاعاته.

فالاختلال العسكري بين الطرفين بيّن؛ غير أن الأضعف عسكريا وجد في تهديد ممرّ تعبره خُمس تجارة النفط العالمية أداة لفرض كلفة سياسية على خصمه. وهنا تتجلى حكمة التدافع: فالقوة لا تقاس بما تملك فحسب، بل بما تستطيع أن تجعل غيرك يخشاه. غير أن السؤال الذي يعني دول الخليج ليس: من ينتصر؟ بل: أين تقف الدول التي لا تحارب، ثم تدفع الثمن كاملا؟ وقد تحمل المحنة في طياتها ابتلاء نافعا، يدفع المنطقة —وإن على استحياء— إلى استقلال اقتصادي يتجاوز النفط. فغير المقبول أن تبقى دول الخليج مجرّد دالّة في معادلة يضع الآخرون متغيّراتها، ويخوضون صراعها، ويحدّدون غاياتها. وهنا يتكشف لبّ السيادة: الفارق بين سيادة تُعلَن، وسيادة تُمارَس.

ومع ذلك، فليس هذا الإدراك دعوة إلى اليأس، بل إلى سيادة لا تراهن على سكون العالم، وإنما على خفض الارتهان لاضطرابه. فكلما اتكأ الخليج على النفط، ابتعد عن استقلاله الاقتصادي، وظل رهين معادلة يضع الآخرون متغيّراتها. ومن هنا ينهض السؤال: ماذا لو غدا الخليج ملاذا عالميا، يقوم على تشابك المصالح في بيئة سياسية واقتصادية ناضجة، فيتحقق الصالح العام من ازدهار المتعاملين فيه؟

وهذا ما يفتح آفاقا واسعة للابتكار؛ فتغدو المرحلة شبيهة بخمسينيات القرن الماضي، حين اقترن شعور السيادة في دول الخليج بروح التأسيس، وبمتعة التحقق التدريجي لأهداف تتراكم آثارها مع الزمن. وعندئذ تتبدل صورة الدولة نفسها: من دولة تدير موردا محدودا، إلى دولة تبني إمكانا لا تحدّه سلعة ولا ظرف؛ تستثمر في الإنسان، وتستدعي رأس المال والمعرفة، وتحوّل موقعها إلى منصة عالمية للإنتاج والتبادل والتنافس.

ولتلك المرحلة خصال جميلة؛ إذ توزن الأعمال بأثرها، لا بضجيجها، ويزاح —بغير حوكمة مثقلة— كل ما يقوم على الارتزاق من الدولة أو اتخاذ الصالح العام مطيّة للخاص. وفي نظامها الرشيد، لا يمنع السعي إلى المنفعة، بل يعاد تهذيبه: فلا يتحقق الخاص إلا بقدر ما يضيف إلى العام. عندئذٍ، لن تعود السيادة شعارا، ولن يبقى الخليج ممرا تتصارع فوقه إرادات الآخرين، بل قدرة تبنى كل يوم، وفضاء تتلاقى فيه مصالح العالم بشروطه هو. وتلك هي الغاية الأبعد: أن يتحول التدافع من خطر يخشى، إلى باعث على بناء دولة لا ترتهن لما تحت أرضها، بل تنهض بما تصنعه فوقها.

فاللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد..

عبدالله السلوم
الرسائل الهادفة والاستفسارات محل ترحيب دائم. تواصل
مقالات ذات صلة
منابر النشر