في هذه الحلقة من برنامج حديث التنمية عبر إذاعة دولة الكويت، استضاف د. محمد منيف العجمي الباحث في الشؤون الاقتصادية عبدالله السلوم للحديث حول مؤلفه كتاب رؤية كويت الاستدامة، ومناقشة مدى قدرة الكويت على بناء نموذج اقتصادي مستدام في ظل التحديات المالية والاقتصادية التي كشفتها أزمة كوفيد-19، ومع استمرار الجدل حول رؤية الكويت 2035، وتنويع مصادر الدخل، والانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج.
افتتح البرنامج الحلقة بتقديم مفهوم كويت الاستدامة بوصفه هدفًا تنمويًا تتطلع إليه الدولة والمجتمع، خصوصًا مع التحديات التي فرضتها جائحة كورونا على الاقتصادات المحلية والإقليمية والعالمية. وقد أوضح د. محمد منيف العجمي أن كتاب كويت الاستدامة صدر قبل عامين من هذه المقابلة، وأن مؤلفه قدّم فيه رؤية اقتصادية يأمل ألا تُقرأ على أنها مجرد خيال، بل باعتبارها تصورًا يمكن أن يساهم في تحقيق الأهداف الكبرى، ووضع حجر أساس اقتصادي وتنموي سليم.
في بداية اللقاء، سأل د. محمد منيف العجمي ضيفه عن فكرة الكتاب، وما إذا كانت كويت الاستدامة ما زالت مجرد “قطرة غيث” أم يمكن أن تتحول إلى مشروع أوسع. وأوضح عبدالله السلوم أن فكرة الكتاب جاءت بعد إعلان رؤية كويت جديدة 2035، وفي الفترة التي أعقبت إعلان رؤية السعودية 2030. وذكر أنه، بحكم متابعته للملفات الاقتصادية الخليجية، رأى أن الرؤية السعودية تتجه نحو الاستدامة الاقتصادية بآليات عمل واضحة، بينما افتقرت رؤية الكويت، من وجهة نظره، إلى مبادئ اقتصادية حقيقية قادرة على تحقيق الاستدامة. وأشار إلى أن رؤية الكويت الجديدة جمعت مشاريع قائمة ومشاريع مدرجة على جدول الأعمال ضمن إطار زمني، لكنها لم تقدم نموذجًا اقتصاديًا متكاملًا يعالج أصل المشكلة أو يضمن الانتقال نحو اقتصاد مستدام.
وأكد السلوم أن رؤية كويت الاستدامة لم تأتِ لإلغاء رؤية الكويت 2035، بل لتكملها وتنتقد جوانب القصور فيها، وتطرح حلولًا يمكن الاستفادة منها لتطوير الرؤية الرسمية. وبيّن أن الهدف هو الوصول إلى عمل اقتصادي وتنموي أكثر تكاملًا، يحقق ما كان يتطلع إليه سمو الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد من جعل الكويت مركزًا ماليًا وتجاريًا، وتنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط.
وتناول الحوار مسألة الفرق بين ما هو مكتوب في الرؤى والخطط الرسمية وبين ما يتم تنفيذه فعليًا على أرض الواقع. وأوضح عبدالله السلوم أن وجود عبارات مثل دعم القطاع الخاص، وتنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط داخل الوثائق الرسمية لا يكفي إذا لم تكن هناك آليات تطبيق واضحة وقادرة على تحويل هذه الأهداف إلى واقع. واعتبر أن المشكلة الأساسية في رؤية الكويت 2035 ليست في اللغة المستخدمة أو العناوين المعلنة، بل في غياب آليات اقتصادية حقيقية تحقق الاستدامة بمفهومها الشامل، أي استهلاك موارد الدولة الحالية من دون الإضرار بحقوق الأجيال القادمة.
وفي محور مهم من المقابلة، ناقش د. محمد منيف العجمي مع ضيفه إشكالية اللامركزية في اتخاذ القرار، حيث أكد السلوم أن هذه اللامركزية تمثل أحد أهم العوائق أمام تنفيذ رؤية اقتصادية شاملة في الكويت. وشرح أن الكويت تختلف عن بعض النماذج الخليجية الأخرى، مثل السعودية، بسبب طبيعة النظام السياسي والتشريعي ودور مجلس الأمة في التشريع، الأمر الذي يجعل تطبيق الإصلاحات الاقتصادية العميقة أكثر تعقيدًا. وبيّن أن أعضاء البرلمان في البيئة السياسية الحالية غالبًا ما ينظرون إلى مصالح بيئات انتخابية ومجموعات مختلفة، وليس بالضرورة إلى مصلحة الدولة كجسد اقتصادي واحد.
ومن هنا طرح السلوم فكرة وجود تهديد اقتصادي مشرّع يمكن أن يجمع الأطراف السياسية والبرلمانية حول أهداف إصلاحية واضحة. وضمن هذا السياق، تحدث عن فكرة صندوق جابر بوصفها آلية اقتصادية وسياسية مقترحة في رؤية كويت الاستدامة، تهدف إلى خلق دافع إصلاحي داخل النظام السياسي والبرلماني، وتحويل الضغط الاقتصادي إلى قوة تدفع نحو الإصلاح بدلًا من الاكتفاء بالشعارات العامة.
وتطرقت الحلقة إلى الحلول الجذرية التي يقترحها كتاب رؤية كويت الاستدامة. وقد أوضح عبدالله السلوم أن أحد الأهداف الرئيسية هو خفض اعتماد ميزانية الدولة على النفط إلى نحو 25% بدلًا من مستويات تقترب من 90%. لكنه شدد على أن المقصود ليس خفض الإيرادات النفطية بحد ذاتها، بل رفع الإيرادات غير النفطية من خلال توسعة القطاع الخاص، وزيادة قدرته على التصدير، وتقليل الواردات، بحيث ترتفع مساهمة النشاط الاقتصادي الحقيقي في ميزانية الدولة تدريجيًا. واعتبر أن الوصول إلى نسبة 25% خلال 15 عامًا قد يكون هدفًا عاليًا، لكن حتى الوصول إلى 50% سيكون إنجازًا كبيرًا مقارنة بالوضع الحالي.
ومن أبرز الأفكار التي شرحها السلوم في اللقاء تقسيم الكويت اقتصاديًا إلى ثلاث مناطق أو نماذج: كويت الحاضر، كويت التحول، وكويت المستقبل. وبيّن أن كويت الحاضر تمثل الواقع الحالي في مدينة الكويت والبيئة الاقتصادية القائمة، بينما تكون كويت المستقبل في منطقة مثل شمال الكويت أو بوبيان أو مدينة الحرير، وتُصمم لتكون منطقة تنافسية عالميًا قادرة على جذب الاستثمارات الأجنبية والشركات الكبرى التي تملك القدرة على التصدير ورفع الناتج المحلي. أما كويت التحول فتكون منطقة انتقالية موجهة بالدرجة الأولى للمواطنين والمستثمرين المحليين الذين لا يستطيعون مباشرة الدخول في المنافسة العالمية، لكنها تمنحهم حوافز وفرصة للتدرج نحو النموذج المستقبلي.
وأوضح السلوم أن الهدف من هذه المناطق ليس إقصاء التجار أو القطاع الخاص القائم، بل إدارة عملية التحول بشكل تدريجي وعادل. فكل من لا يرغب في التغيير يمكنه البقاء في “كويت الحاضر”، مع إدراك أن هذا النموذج سيتغير خلال 15 عامًا. أما من يرغب في التطور والمنافسة فيمكنه الانتقال إلى “كويت التحول”، ومن يستطيع المنافسة عالميًا يمكنه العمل في “كويت المستقبل”. وبهذه الطريقة، تصبح عملية الإصلاح تدريجية بدل أن تكون صادمة أو مفاجئة.
وفي سؤال حول مدى واقعية هذه الحلول، أكد عبدالله السلوم أن تطبيقها ليس سهلًا، لكنه شدد على أن الأهداف الكبيرة لا يمكن أن تتحقق بآليات سهلة أو تقليدية. فإذا كان الهدف هو تحويل دولة ريعية تعتمد على النفط إلى دولة مستدامة قائمة على الإنتاج والتصدير، فإن ذلك يتطلب تكاتفًا سياسيًا، وإبداعًا في الإدارة، وإصلاحات متزامنة في التعليم، والصحة، وبيئة الأعمال، والتشريع، والإدارة العامة. وأوضح أن الدولة تتحمل بالفعل تكاليف كبيرة في ملفات أقل أهمية، وبالتالي فإن تكلفة التحول الاقتصادي يجب أن تُنظر إليها باعتبارها استثمارًا في مستقبل الوطن.
كما ناقشت الحلقة العلاقة بين المركزية والديمقراطية في إدارة الاقتصاد. وقدم عبدالله السلوم رؤية مثيرة للنقاش، مفادها أن المركزية قد تكون أكثر ملاءمة للاقتصاد الريعي في مرحلة الإصلاح، بينما تكون الديمقراطية أكثر فاعلية في الاقتصاد المستدام. وشرح أن الاقتصاد الريعي يجعل القوى السياسية تتنافس على توزيع “الكعكة” القائمة بدلًا من العمل على زيادة حجمها، في حين أن الاقتصاد المستدام يخلق حوافز أوسع للشراكة والإنتاج ورفع الإيرادات. وأكد في الوقت نفسه أن هذه الرؤية تأتي ضمن قراءة اقتصادية للواقع الكويتي الحالي، وليست دعوة لإلغاء المشاركة السياسية، بل محاولة لفهم العلاقة بين نموذج الاقتصاد وطريقة اتخاذ القرار.
وسأل د. محمد منيف العجمي عن المصادر التي استند إليها كتاب كويت الاستدامة، فأوضح السلوم أن الكتاب لم يُكتب كبحث أكاديمي تقليدي أو أطروحة علمية، بل كرؤية اقتصادية تخاطب العقل والعاطفة وصناع القرار وعامة الناس. وبيّن أنه اعتمد على مصادر متاحة ومعروفة، مثل مقالات صحفية، وأوراق وزارة المالية، وبعض البحوث المنشورة، ورؤى حول الاقتصاد المعرفي، لكنه لم يكن يستهدف زيادة الرصيد البحثي الأكاديمي، بل فتح أفق التفكير أمام المجتمع ومتخذي القرار بشأن مستقبل الكويت الاقتصادي.
وتناول اللقاء أيضًا كيف يمكن للأزمات أن تتحول إلى فرصة. ففي ختام المقابلة، أوضح عبدالله السلوم أنه كان في مراحل سابقة أكثر تشاؤمًا تجاه قدرة الكويت على التحول، لكنه رأى أن أزمة كوفيد-19، مع ارتفاع مستوى المشاحنات السياسية وكشف بعض جوانب الخلل، قد تخلق ضغطًا إيجابيًا يدفع نحو إصلاح النظام المالي والمصرفي والميزانية العامة للدولة. واعتبر أن التحديات الكبيرة قد تكون بداية لتغيير المسار المعتاد نحو مسار أكثر جدية وإصلاحًا.
من جانبه، أكد د. محمد منيف العجمي أن هذه التحديات، بما فيها تحديات كوفيد-19 منذ مطلع عام 2020، يمكن أن تكون حافزًا للتفاعل الاقتصادي الإيجابي والتحرك التنموي الأكبر. كما أشار إلى أن استضافة هذا الطرح في برنامج حديث التنمية جاءت استجابة لاهتمام عدد من الأكاديميين والمهتمين بالشأن التنموي، الذين رأوا أن كتاب كويت الاستدامة يستحق النقاش والاستماع إلى رؤيته النقدية المختلفة.
تقدم هذه المقابلة نقاشًا عميقًا حول كتاب رؤية كويت الاستدامة، رؤية الكويت 2035، كويت جديدة، الاقتصاد الكويتي، الاستدامة الاقتصادية، تنويع مصادر الدخل، مستقبل الكويت بعد النفط، المركز المالي والتجاري، صندوق جابر، كويت الحاضر، كويت التحول، كويت المستقبل، مدينة الحرير، بوبيان، القطاع الخاص، الصادرات، الإيرادات غير النفطية، اللامركزية في اتخاذ القرار، العلاقة بين الاقتصاد الريعي والديمقراطية، الإصلاح السياسي والاقتصادي، وأثر جائحة كوفيد-19 على المالية العامة. كما تسلط الضوء على أهمية التفكير في نماذج اقتصادية جديدة لا تكتفي بتجميل الواقع، بل تسعى إلى إعادة بناء الأسس التي يقوم عليها مستقبل الكويت المالي والتنموي.