عامان مضيا منذ مايو 2024، حين دخلت الكويت حقبة استثنائية سبق أن أسميناها «طريق إعادة هيبة المنطق». وهي ليست حقبة خالية من الأخطاء، فهذا لا يكون في شأن بشري، لكنها مرحلة صار فيها منطق الدولة أسبق من ضجيج السياسة، وصار الهدوء شرطا لإدراك ماهية ما يجري، لا علامة على غياب الحركة. وعليه، فإن الجدل لم يختفِ كليا، لكنه هُذِّب إلى حد بعيد. أما الفتن، لا سيما تلك التي كانت تُختلق من تسليح أي ضعف حكومي أو تقصير نيابي، ولغايات خارج إطار الصالح العام، فقد فقدت كثيرًا من قدرتها على توجيه المشهد.
فحين كانت المجالس تعجّ بمتفائل قسري، حارسا لوهم، أو متشائم مغتاب، رمّاء للتهم، وإن كانا قد وجدا ما يغذّيهما في منطق حقب سابقة، فإن المرحلة اليوم لم تعد قادرة على تقبّل هذين الصنفين من الخطاب؛ إذ لا يستقيمان مع منطق الطريق الذي نسلكه، ولا يحققان غاية. فالأمر أشبه بحال عاد فيها العقل إلى ماهيته الأولى: التفكر، والتفهّم، واستدراج الحكمة؛ كما عادت فيها المجالس إلى معناها الأصيل: صلة الرحم، وتعزيز التواصل المجتمعي. ولسنا نعترض على تفاؤل قائم على بصيرة، ولا على حذر غايته النصيحة؛ إنما نعترض على تفاؤل يغضّ الطرف عن كل شيء، وعلى تشاؤم لا يرضيه أي شيء.
ولا نستثني أنفسنا؛ فجدل المرء ليس غريبا عن طبعه، ولا عجيبا في شأنه، وإن فُرشت أمامه الحقائق وقد أغشته غاياته أو مآربه. وهذا ما نستذكره في كل جمعة، عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. فالأمر برمته ابتلاء، يميز الله به من ظلم نفسه مِمَّن أنصف. فإذا كانت طبيعة الإنسان قد تسوقه إلى جدل آيات بينات، فليس من الحكمة أن نظن أنها ستستثني ما دون ذلك من شؤوننا اليومية، لا سيما في طريق يعاد فيه تعبيد المنطق ليكون أساسا، وبعد مرحلة اختلط فيها الحابل بالنابل، والحق بالباطل.
لسنا نكتب اليوم لنكون جزءًا من مجتمع التفاؤل القسري، ولا من مجتمع التشاؤم المغتاب، ولا لنجادل منتميهما؛ فلسنا ممن يستهويهم خطاب يجعل الصالح العام مادة للخصومة لا موضعا للإنصاف. فالمرحلة ليست بحاجة إلى من يصفق لكل خطوة، ولا إلى من يشكك في كل مقصد؛ بل إلى ما هو أسمى من ذلك. نكتب لمن جرّد نفسه لبرهة من الهوى، ابتغاء الصالح العام؛ كتابة تدعو إلى قراءة ماهية المشهد، والتفكر في حقيقة الحال، والتمعن في طبيعة المآلات، والتروي في استنطاق الحكمة. كتابة تشير، وفق قراءة تاريخ هذه الحقبة وما سبقها من حقب، إلى أن الهدوء والتروي في هذه الحقبة لا يعنيان السكون، بل التأهب. وأن الإصلاح لا يكون إصلاحا ما لم تواكبه كلفة، قدرا بقدر. وإن كانت هناك كبوات في بعض المقاصد الجزئية أو السلوك التنظيمي أو الإداري، فليست إلا ابتلاءات تعترض مسلك مقصد كلي أسمى بمراحل، ولا ينبغي أن يُختزل ذلك المسلك في محض كبواته.
فاللهم أبرم لهذه الأمّة أمرًا رشدًا..