مقال يتأمل مستقبل الخليج عبر «الفائض الطاقي»، متجاوزا سؤال سعر النفط إلى ما يبقى من أثره المالي للفرد والدولة.
لطالما كان التساؤل، في أحلك مراحل التشاؤم، عن ماهية مرحلة ما بعد النفط، وعما إذا كان الرفاه المجتمعي سيحتفظ بالحضور الذي اعتدناه خلال نصف قرن مضى. أما حين يكون للتفاؤل نصيب معتبر، فينحصر التساؤل في سعر برميل النفط، واتجاه الطلب العالمي عليه. غير أن سؤالا أسبق قد يكون أجدر بالتأمل: ماذا لو لم تكن المسألة في بقاء النفط، بل في مقدار ما يبقى من أثره الاقتصادي بعد أن تتسع الدولة، وتتوسع قاعدة الإنفاق، وتزداد كلفة الحياة التي نشأت في ظله؟
من هنا نستحضر مفهوم «العائد الطاقي على الاستثمار»؛ وهو نسبة الطاقة التي نحصل عليها إلى الطاقة التي يتم إنفاقها للحصول عليها. وعلى سبيل المثال، يعادل هذا العائد 5 حينما نستخرج 10 وحدات من الطاقة بكلفة وحدتين. وكذلك يعادل 5 عند استخراج 20 وحدة بكلفة 4، أو 40 وحدة بكلفة 8. غير أن الاقتصاد لا يقوم على هذا التجريد الحسابي وحده؛ إذ لا تتساوى النتائج لمجرد تساوي النسبة. فالمسألة تتصل بكفاءة الإنفاق بقدر اتصالها بحجم الإنتاج، وبصافي وحدات الطاقة المتبقية بعد استرداد ما أنفق لإنتاجها؛ وهي الوحدات التي تتكئ عليها، في نهاية المطاف، البنى الاقتصادية والاجتماعية التي يقام عليها كيان الدولة. تلك المسافة بين الطاقة المنتجة والطاقة المستنفدة لإنتاجها ليست تفصيلا فنيا؛ إنها الأصل المادي للفائض، والقاعدة الصامتة التي يقوم عليها التوسع الاقتصادي، وتنهض فوقها المدن، وتتمدد من خلالها قدرة الدولة على الإنفاق والرعاية.
وهنا يختلف الخليج عن الاقتصادات الرأسمالية التي تتشظى فيها أعباء النمو والمعيشة على قطاع خاص واسع، وقاعدة ضريبية متشابكة، وفرص اقتصادية متناثرة. ففي دول الخليج، ظل المورد الهيدروكربوني، بدرجات متفاوتة، الممول المركزي للدولة، والمحرّك الأثقل للطلب الكلي، والضامن غير المباشر لمستوى المعيشة. لم يتحول فائض الطاقة إلى إيراد عام فحسب، بل إلى توازن اجتماعي كامل. وما اعتدنا تسميته ريعا نفطيا، ليس في حقيقته الأعمق إلا ترجمة مالية لفائض طاقي استثنائي.
لم تكن أسعار نفط منتصف القرن الماضي مضاهية لأسعار اليوم، ولا حتى مرتفعة وفق معايير اليوم، كل ما في الشأن هو اختلاف المعادلة! فالعائد الطاقي كان واسعا بالتزامن مع محدودية الكتلة السكانية، إضافة إلى كون الالتزامات العامة في طور تشكل هادئ. وعليه، فإن إيرادات مورد واحد جاءت قادرة على تمويل تدشين بنى تحتية من جذورها إلى مؤسساتها، وأن تصنع اقتصادا حديثا بمرافقه وخدماته. ولم يكن ذلك ثمرة السعر وحده، بل أساسه وفرة الفائض قياسا إلى حجم المجتمع وكلفة احتياجاته.
أما اليوم، فالمعادلة أكثر ازدحاما، وأعقد تشابكا، ويغلبها التباس شأن كبير في تفاصيله. فالأسعار تبدو أعلى، ولكن التضخم المتراكم لها بالمرصاد. وأما الاحتياطيات النقدية الضخمة فيقابلها التزام أعقد تجاه قاعدة سكانية أكبر. وعلى الرغم من أن الإنفاق العام لم يعد مؤسسا للبنية بقدر ما صار موسعا لها، إلا أنه لم يسلم من عثرات أسهمت في رفع كلفة الدولة الجارية وجعلتها أثقل. هنا يصبح التساؤل أقل اتصالا بحجم الإنتاج الخام، وأكثر اتصالا بما يمكن تسميته الفائض الطاقي القابل للتحول إلى قدرة مالية مستدامة.
لذلك، نجد أن حجم الإنتاج أو سعر البرميل لا يحملان قدرتهما التفسيرية منفردين ما لم يقترنا اقترانا كليا بمقدار الفائض الحقيقي المتبقي للفرد والدولة، وذلك بعد اعتبار ما تقدم، إضافة إلى كلفة الأدوات والمنتجات المالية والنقدية الحديثة القادرة على تفتيت ذلك الفائض بيسر. وعليه، فإن التحدي الخليجي القادم لا محالة لن يكون في نفاد النفط وحسب، بل في أن يضيق الهامش الذي يفصل بين الطاقة التي تموّل الخليج، والطاقة التي يستهلكها، إلى حين نفاد النفط!
فاللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا..
عبدالله السلوم
الرسائل الهادفة والاستفسارات محل ترحيب دائم. تواصل
كلما اتسعت الالتزامات الثابتة، تقلص الهامش المتاح للمناورة والإصلاح. لذلك لا تقاس القوة المالية بالإيرادات وحدها، بل بما يتبقى بعد الالتزامات.
ما أثر الفائض الطاقي والقدرة المالية الخليجية على الخليج؟
يظهر الأثر في طريقة إدارة الكلفة والحوافز والموارد، وفي قدرة الخليج على تحويل القرارات إلى منفعة مستدامة. والسياق المباشر هو مستقبل الخليج عبر «الفائض الطاقي»، متجاوزا سؤال سعر النفط إلى ما يبقى من أثره المالي للفرد والدولة.
ما الفرق بين الإنفاق المنتج والإنفاق الذي يوسع العبء المالي؟
الإنفاق المنتج يخلق قدرة مستقبلية أو يرفع الإنتاجية. أما الإنفاق غير المنتج فيزيد الالتزامات الجارية من غير أن يوسع قاعدة الدخل أو يخفف الاعتماد على المورد نفسه.
لماذا لا تكفي وفرة الإيرادات لضمان الاستدامة المالية؟
وفرة الإيرادات قد تخفي اتساع الالتزامات وتراكم الكلفة. الاستدامة تتحقق عندما تتحول الموارد إلى قدرة مالية متجددة لا إلى إنفاق متكرر يصعب تمويله.