الكويت و«فِقه» التموضع السيادي
15 مايو 2026
الاقتصاد-الكويتي
وضع قراءة
استمع
قراءة في فِقه التموضع السيادي للكويت، وكيف تُصان السيادة بحسن إدارة التحولات الكبرى وتوظيف الشراكات دون ارتهان.
عند تأمل التحولات الكبرى، لا ينكشف تزاحم القوى وحده، بل ينكشف معه امتحان الكيانات الأصغر: أيّها يغدو موقعه مادةً في صراع غيره، وأيّها يصوغ من موقعه ضرورةً لا يُستغنى عنها. وليس الفارق في الجغرافيا وحدها، بل في عقلٍ يعرف قدر الخطوة قبل أثرها، ويجعل العلاقة امتدادًا للسيادة لا مدخلًا إلى الارتهان.

وفي التجربة الكويتية ما يُقرأ في هذا السياق شاهدًا على حضور فقه البقاء. فعند منعطف التأسيس الحديث، لم تكن علاقة الكويت ببريطانيا انتقالًا من ظلٍّ إلى آخر، بل مساحةً أتقن الكيان الناشئ توظيفها حتى اشتدّ عوده. كان في ذلك وعيٌ هادئ بأن الاستقلال لا تكفيه الإرادة، بل تحفظه القدرة على تهيئة الظروف التي تجعله قابلًا للاستمرار.

واليوم كأننا نقف بإزاء منعطفٍ شبيه، لا في صورته بل في منطقه. فالصين اليوم ليست بريطانيا الأمس، والغرب اليوم ليس الدولة العثمانية، والكويت اليوم ليست ذلك الكيان الناشئ، والاستقلال في معناه المعاصر ليس كما كان في لحظة التأسيس؛ غير أن سنن القوة لم تتبدل كثيرًا. فمن لم يُحسن قراءة التحولات غدا مادةً فيها، ومن أحسن تموضعه جعلها مجالًا أرحب للفعل. وبدل أن يُقرأ الانفتاح على الشرق انتقالًا من ضفة إلى أخرى، أو يُفهم الثبات في الصلة بالغرب قيدًا على الحركة، ينبغي أن تُعرَّف المسألة بما هو أعمق من اختيار شريك، وأرفع من موازنةٍ عابرة؛ إنه بناء مشروعٍ تمرّ عبره حاجات الآخرين، لا مشروعٍ يبحث عن طريقه عبر حاجاتهم.

الفرص الكبرى لا تفد من باب الاقتصاد وحده؛ بل تأتي محمّلةً بظلالها، وقراءاتها، ورسائلها التي لا تُقال. ومن لم يُحسن تعريف مقصده، أباح للآخرين أن يفسّروه بمخاوفهم، لا بنيّته. وهنا لا يغني بريق الاتفاقيات ولا حجم الاستثمارات، ما لم تنتظم جميعها في معنى سيادي واضح؛ معنى يجعل الشراكة جزءًا من هندسة الدولة لمجالها، لا عنوانًا يختزله الآخرون في صراع النفوذ.

وعند التأمل فيما أكرم الله به الكويت، لا تبدو قوتها في علوّ الصوت، بل في ثبات القول؛ ولا في حجب الخير، بل في بذله، وتقديم المصلحة الإقليمية على المغانم الضيقة. ومن رصانة هذه التجربة أنها لم تُشخصن اندفاعات السياسة في محيطها، ولم تجعل نزق اللحظة ميزانًا لثوابتها؛ إذ وعَت أن السلطة، إذا نزلت في نفسٍ لم تُهذّبها الحكمة، أظهرت من علل القلوب ما تواريه الأيام العادية. وفي قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ۝ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ ما يضيء هذا المعنى.

ومن هذا الفهم، لا يعود التحوّط فعل خوف، بل صورةً من صور السيادة؛ فهو لا يعني تكثير الأبواب، بل تمييز ما يستحق أن يُفتح منها، ومتى، وعلى أي شرط. فليست كل فرصة زيادة في القدرة، ولا كل انفتاح اتساعًا في الأفق؛ إذ إن بعض الفرص، متى دخلت بلا هندسة واعية، حملت إلى الداخل منطق أصحابها، لا مقتضى الوطن.

وفي عالمٍ تتبدل موازينه على مهل، لا تُحفظ الدول بإنكار التحول، ولا بالانقياد له، بل بوضوح الغاية وحسن تقدير المسار. فالعلاقات، مهما اتسعت، لا تكفي وحدها لصيانة السيادة؛ إن لم تنتظم في مشروعٍ يعرف حدوده ومقاصده. وحين تعرف الدولة ما تريد، تصبح صلاتها بالعالم أدواتٍ لبلوغ غايتها، لا مسالك تُفضي بها إلى غير ما أرادت.

فاللهم أبرِم لهذه الأمّة أمرَ رشد..

عبدالله السلوم
الاقتصاد-الكويتي
مقالات ذات صلة