تنويع مصادر الدخل
برنامج ديرة مع د. حصة الملا
12 نوفمبر 2020
الاقتصاد-الكويتي
شاهد المحتوى على Youtube.com
في هذه الحلقة من برنامج ديرة مع د. حصة الملا، استضاف البرنامج الباحث في الشؤون الاقتصادية عبدالله السلوم لمناقشة أحد أهم الملفات الاقتصادية في الكويت، وهو ملف تنويع مصادر الدخل والخروج من عباءة الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط. جاءت الحلقة في سياق اقتصادي حساس، مع تداعيات جائحة كورونا على المالية العامة، وتراجع أسعار النفط، وارتفاع الضغوط على الميزانية العامة للدولة، ما جعل سؤال الاستدامة الاقتصادية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

تناولت د. حصة الملا في بداية اللقاء أهمية تنويع مصادر الدخل، وسألت ضيفها عما إذا كانت الكويت قد تأخرت كثيرًا في اتخاذ هذه الخطوة. وأوضح عبدالله السلوم أن الكويت وصلت إلى مرحلة حرجة بسبب الاعتماد شبه الكامل على النفط، في ظل مصروفات سنوية مرتفعة ترتبط بطبيعة الدولة والتزاماتها تجاه المواطنين، ومنها التوظيف والإنفاق العام. وبيّن أن الكويت دخلت منذ عدة سنوات في عجز مالي متكرر، وأن جائحة كورونا زادت الضغط على الميزانية بسبب المصروفات الصحية، وتكاليف الإجلاء، والمصاريف الطارئة، وهو ما سرّع من استنزاف الاحتياطي العام.

وأشار السلوم إلى أن الكويت أصبحت أمام خيارات صعبة، لا يوجد بينها خيار مريح: إما الاستدانة من البنوك المحلية والخارجية، أو السحب من صندوق الأجيال القادمة، أو خفض قيمة الدينار مقابل الدولار لتغطية المصروفات. واعتبر أن هذه الحلول غير مقبولة من حيث المبدأ، لأنها لا تعالج أصل المشكلة، بل تؤجلها أو تنقل كلفتها إلى المستقبل. ومن هنا شدد على أن الحل الحقيقي كان يجب أن يبدأ مبكرًا عبر تنويع مصادر الدخل وتحويل الاقتصاد الكويتي من اقتصاد قائم على النفط إلى اقتصاد منتج ومستدام.

وتطرقت الحلقة إلى سؤال مهم حول سبب عدم تحرك الكويت بجدية في هذا الملف رغم وضوح المؤشرات. وهنا أوضح عبدالله السلوم أن المشكلة الأساسية تكمن في اللامركزية السياسية والإدارية، وفي غياب جهة واحدة تقود التحول الاقتصادي بوضوح واستمرارية. وبيّن أن تغيير نموذج اقتصاد الدولة ليس مسؤولية وزير المالية وحده، ولا وزير الدولة للشؤون الاقتصادية، ولا محافظ البنك المركزي، بل هو ملف سيادي واستراتيجي يجب أن تقوده رئاسة مجلس الوزراء بعيدًا عن ترضيات النواب، والشارع، والضغوط السياسية والاجتماعية.

كما ناقش السلوم أثر المرحلة السياسية على الإصلاح الاقتصادي، موضحًا أن الكويت كانت تمر بمرحلة انتقالية وانتخابات قادمة، وهي مراحل كثيرًا ما ترتبط بالترضيات السياسية والاجتماعية، ما يرفع تكلفة الدولة ويؤخر الإصلاحات الجذرية. ولفت إلى أن الحديث عن عجز الميزانية ونفاد الاحتياطي لم يكن مفاجئًا، بل كان متوقعًا منذ سنوات، مشيرًا إلى أنه نشر كتاب كويت الاستدامة في عام 2018 وقدّمه إلى رئيس مجلس الوزراء آنذاك، متضمنًا تحذيرات حول المسار المالي وخطورة استمرار الاعتماد على الاحتياطي العام.

وفي محور التحول الرقمي، سألت د. حصة الملا عن مدى قدرة الرقمنة والتحول الرقمي على دعم تنويع مصادر الدخل. فأوضح عبدالله السلوم أن التحول الرقمي مهم، لكنه ليس الحل الجوهري. واعتبره إجراءً فنيًا لتسريع العمليات وتطوير الأداء الإداري، لكنه لا يكفي وحده إذا بقي النموذج الاقتصادي كما هو. فالهدف، بحسب السلوم، ليس فقط رقمنة الإجراءات، بل تغيير النموذج بالكامل من دولة مستهلكة تعتمد على إيراد نفطي إلى دولة منتجة تعتمد على الصادرات، والصناعة، والإنتاج، وتقليل الاستيراد.

وأوضح السلوم أن التوظيف يجب أن يكون نتيجة طبيعية للتوسع الاقتصادي، لا عبئًا على الدولة. فبدلًا من أن تنشئ الدولة مؤسسات وهيئات لا حاجة حقيقية لها فقط لاستيعاب المواطنين في الوظائف، يجب أن يتوسع الاقتصاد الحقيقي بحيث يخلق فرص عمل منتجة للكويتيين والوافدين على حد سواء. وبهذا المعنى، فإن التوظيف الصحي لا يأتي من الالتزام الإداري، بل من نمو الناتج المحلي، وزيادة الصادرات، وارتفاع الإنتاجية.

وفي الجزء الثاني من الحلقة، انتقلت د. حصة الملا إلى سؤال حول الروافد الاقتصادية التي يمكن للكويت الاعتماد عليها لتعويض النفط. وأكد عبدالله السلوم أن الكويت تملك رأس مال بشريًا مهمًا، وأن العقول والكفاءات الوطنية قادرة على تحويل الاقتصاد متى ما أُعطيت الفرصة. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن كثيرًا من الطلبة الكويتيين الذين يدرسون في الخارج ويعودون بخبرات وطموحات عالية يصطدمون ببيئة إدارية محبطة، تؤدي إلى تراجع الشغف والإبداع، وتحول الموظف من شخص منتج إلى شخص يكتفي بالدوام والراتب ونمط الحياة التقليدي.

وتحدث السلوم كذلك عن خطورة المطالبات السياسية بخفض سن التقاعد، معتبرًا أن الفترة الأولى من حياة الموظف المهنية هي الفترة الأهم للإنتاجية، وأن خسارة الكفاءات مبكرًا تضعف قدرة الدولة على الاستفادة من رأس مالها البشري. وربط ذلك بالممارسات الانتخابية والشعبوية التي تقدم مكاسب قصيرة الأجل للناخبين على حساب الاستدامة الاقتصادية طويلة الأجل.

وفي محور القطاعات الاقتصادية الممكنة، أشار عبدالله السلوم إلى أن الهدف ليس اختيار قطاع واحد بعينه، بل دعم أي قطاع قادر على رفع الصادرات أو خفض الواردات. وذكر أن قطاعات مثل المطاعم، والصناعات الغذائية، والزراعة، والبرمجيات، والاستثمار، وجلب الاستثمارات الخارجية يمكن أن تخدم الاقتصاد الوطني إذا تم توجيهها بشكل صحيح. وتحدث عن إمكانية تحويل بعض المشاريع المحلية الناجحة، مثل المطاعم، إلى نماذج امتياز تجاري “فرنشايز” قابلة للتصدير إلى الخارج، بدل حصرها في السوق المحلي فقط.

كما استشهد السلوم بدور شركة مطاحن الدقيق والمخابز الكويتية، موضحًا أنها أثبتت أهميتها في أوقات الأزمات، مثل الغزو وجائحة كورونا. واعتبر أن الصناعات الغذائية والصناعات التي تحقق الاكتفاء الذاتي وتقلل الاستيراد يجب أن تحظى بالدعم، لأنها ترفع الناتج المحلي وتخدم الأمن الاقتصادي للدولة.

وتناول اللقاء كذلك أثر الروتين الإداري على البيئة الصناعية والتجارية في الكويت. وبيّن عبدالله السلوم أن البيئة الحالية غير سليمة بسبب خلل في هيكل الدولة الإداري، حيث لا توجد حوافز كافية لإصلاح الإجراءات أو رفع كفاءة العمل الحكومي. وأشار إلى أن تجربة الجائحة كشفت أن نسبة صغيرة من الموظفين كانت قادرة على تسيير كثير من الأعمال الأساسية، ما يطرح سؤالًا كبيرًا حول حجم الجهاز الإداري وكفاءته الفعلية.

وفي سياق الحديث عن الإنتاج الزراعي، أشارت د. حصة الملا إلى أن جائحة كورونا كشفت وجود قدرة زراعية محلية وإنتاج بجودة عالية. ووافق عبدالله السلوم على ذلك، لكنه أوضح أن المنتجين في مختلف القطاعات غالبًا ما يواجهون معوقات وممارسات إدارية تعرقل نموهم. واعتبر أن بعض الأزمات، مثل أزمة البصل، كشفت أهمية الضغط المجتمعي في تحريك الملفات، لكنها في الوقت نفسه بيّنت غياب التهديد الاقتصادي المؤسسي الذي يدفع الجهات إلى الإصلاح قبل وقوع المشكلة.

وفي الجزء المتعلق بالحلول، أكد عبدالله السلوم أن الحل الأساسي هو تغيير نموذج اقتصاد الدولة بطريقة تراعي الواقع السياسي والاجتماعي في الكويت، وليس فقط طرح شعارات عامة عن تنويع الدخل. وشرح أن رؤية الكويت 2035، من وجهة نظره، لم تكن كافية لتحقيق التحول المطلوب، لأنها جمعت مشاريع قائمة أو مستحدثة ضمن جدول زمني، لكنها لم تعالج أصل المشكلة الاقتصادية والسياسية التي تمنع الكويت من التحول إلى مركز مالي وتجاري حقيقي كما كان يطمح سمو الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد.

ومن هنا تحدث السلوم عن طرحه في رؤية كويت الاستدامة، التي تهدف إلى شرح الواقع السياسي أولًا، ثم تصميم حلول اقتصادية قابلة للتطبيق داخل هذا الواقع من دون صدام مفاجئ مع مكونات المجتمع. وبيّن أن التحول لا يجب أن يتم بطريقة قاسية أو مفاجئة، بل عبر مرحلة انتقالية تمتد لنحو 15 عامًا، تسمح للمجتمع، والتجار، والمستثمرين، والموظفين، والقطاعات المختلفة بالتأقلم مع التحولات التشريعية والاقتصادية.

وشرح السلوم فكرة تقسيم الكويت اقتصاديًا إلى ثلاث مراحل أو مناطق مفاهيمية: كويت الحاضر، وكويت التحول، وكويت المستقبل. فـ “كويت الحاضر” تمثل الوضع الحالي القائم، بينما “كويت التحول” تخدم صغار المستثمرين القادرين على التصدير لكنهم بحاجة إلى تحفيز حكومي، أما “كويت المستقبل” فتركز على جذب الاستثمارات الكبرى والشركات القادرة على التصنيع والتصدير للخارج، بحيث يكون الهدف الأساسي هو تعزيز الناتج المحلي، وخلق فرص عمل، وتحقيق إيرادات غير نفطية من الضرائب والرسوم والجمارك واستغلال موارد الدولة.

كما أوضح السلوم أن جذب رأس المال الأجنبي ليس إقصاءً للمواطن الكويتي، بل يمكن أن يكون جزءًا من بناء اقتصاد أقوى. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن نجاح المواطن الكويتي في “كويت المستقبل” سيكون أفضل من نجاح الأجنبي وحده، لأن أرباح المواطن تبقى داخل الاقتصاد المحلي بدرجة أكبر. ومن وجهة نظره، فإن من مصلحة الكويت أن يتطور التجار والمستثمرون الكويتيون ليصبحوا قادرين على المنافسة في قطاعات إنتاجية وتصديرية حقيقية.

وفي محور السياحة، سألت د. حصة الملا عما إذا كانت السياحة يمكن أن تصبح رافدًا مهمًا للاقتصاد الكويتي. فأوضح عبدالله السلوم أن الكويت تملك بعض المقومات، لكن تكلفة السياحة عالية مقارنة بالعائد الصناعي. وبيّن أن الصناعة، خصوصًا إذا كانت موجهة للتصدير، قادرة على تحقيق عوائد أكبر بكثير من السياحة من حيث الحجم والأثر الاقتصادي، مشيرًا إلى أن مساحة صناعية أصغر قد تحقق عوائد أكبر من تحويل مناطق واسعة إلى منتجات سياحية.

واختتمت الحلقة بتأكيد أهمية بناء صناعات تحقق الاكتفاء الذاتي والتصدير في الوقت نفسه، سواء كانت صناعات غذائية، أو مستلزمات طبية، أو منتجات بسيطة مثل الأقلام، أو أي صناعة تقلل الاعتماد على الخارج. وأوضح السلوم أن دعم المنتج المحلي لا يجب أن يكون عبر رفع الجمارك على المنتج الأجنبي فقط، بل عبر تمكين المنتج الكويتي من الاستثمار في التقنية والكفاءة ليبيع بسعر منافس ويصل إلى الأسواق الخارجية.

تقدم هذه المقابلة نقاشًا عميقًا حول تنويع مصادر الدخل في الكويت، مستقبل الاقتصاد الكويتي بعد النفط، عجز الميزانية، نفاد الاحتياطي العام، صندوق الأجيال القادمة، رؤية الكويت 2035، رؤية كويت الاستدامة، التحول الرقمي، الصناعة، الزراعة، المشاريع الصغيرة، الإنتاجية، البيروقراطية، الإصلاح الإداري، التوظيف الحكومي، والانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج. كما تطرح الحلقة سؤالًا جوهريًا حول قدرة الكويت على استغلال أزماتها المالية والسياسية كفرصة لإعادة بناء نموذج اقتصادي أكثر استدامة وعدالة وكفاءة.
مقالات ذات صلة