رؤية الخليج 2030
برنامج لايف شو، قناة الراي
شاهد المحتوى على Youtube.com
في هذه الحلقة من برنامج لايف شو Life Show على قناة الراي، ناقش المذيعون مع ضيفي الحلقة، السيد عبدالوهاب الرشيد، نائب رئيس الجمعية الاقتصادية الكويتية آنذاك، والسيد عبدالله السلوم، الباحث في الشؤون الاقتصادية، ملفًا اقتصاديًا مهمًا يتعلق بمستقبل دول الخليج بعد عام 2030، ومدى جاهزية الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي للانتقال من الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط إلى اقتصاد أكثر استدامة وتنوعًا.

تناولت المقابلة سؤالًا محوريًا: إلى أي درجة تأخرت دول الخليج، وخاصة الكويت، في تنفيذ مشاريع التنمية والرؤى الاقتصادية؟ وقد افتتح عبدالوهاب الرشيد النقاش بالتأكيد على أن دول الخليج تأخرت كثيرًا في بناء رؤى اقتصادية طويلة المدى، موضحًا أن التفكير في الاستدامة الاقتصادية كان يفترض أن يبدأ منذ اكتشاف النفط، لا بعد عقود طويلة من الاعتماد على الإيرادات النفطية. وأشار إلى أن الانشغال بالصراعات السياسية والملفات اللحظية جعل المنطقة تؤجل سؤال المستقبل، رغم أن النفط مورد قابل لتراجع الأهمية أو النضوب مع مرور الوقت.

من جانبه، قدّم عبدالله السلوم قراءة تاريخية واقتصادية لطبيعة المجتمع الخليجي قبل النفط، موضحًا أن الكويت والخليج عمومًا كانا يملكان طاقة إنتاجية حقيقية قائمة على الغوص، والصيد، والتجارة، والتنقل التجاري بين المناطق. وبيّن أن دخول النفط غيّر البنية الاقتصادية والاجتماعية، حيث استخدمت الحكومات الإيرادات النفطية للإنفاق على المجتمعات، لكنها لم تبنِ قاعدة إنتاجية بشرية قادرة على خلق مصادر دخل بديلة. وأكد السلوم أن المشكلة لم تكن فقط في تأخر الرؤى، بل في ترسخ ثقافة الريعية، وتحول المواطن تدريجيًا إلى باحث عن وظيفة حكومية وراتب ثابت، بدلًا من أن يكون جزءًا من منظومة إنتاجية مستدامة.

وتطرقت الحلقة إلى تأثير الأزمات الاقتصادية العالمية، ومنها أزمة 2008 والأزمات النفطية اللاحقة، على وعي دول الخليج بمخاطر الاعتماد على مصدر دخل واحد. وأوضح عبدالله السلوم أن بعض الأزمات لم تضرب الاقتصادات الريعية بنفس الطريقة التي ضربت بها الاقتصادات المعتمدة على الائتمان أو القطاعات المتنوعة، مستشهدًا باختلاف أثر الأزمة بين الكويت والسعودية وأبوظبي من جهة، ودبي من جهة أخرى. كما أشار إلى أن الانخفاضات الحادة في أسعار النفط كشفت هشاشة النموذج الريعي، خصوصًا عندما هبطت الأسعار إلى مستويات أقل من سعر التعادل في الميزانيات العامة.

كما ناقش الضيفان قضية رؤية الكويت الاقتصادية ومحدودية التنفيذ رغم كثرة الدراسات والتوصيات. وبيّن عبدالله السلوم أن المشكلة ليست في غياب الدراسات أو الخبراء، بل في ضعف التنفيذ وغياب جهة مركزية عليا تقود الرؤية الاقتصادية. واقترح أن يكون هناك مجلس أعلى للاقتصاد يتولى وضع الرؤى والأهداف والاستراتيجيات، بحيث تكون الوزارات أدوات تنفيذ لا جهات منفردة في اتخاذ القرار الاقتصادي.

وفي جانب آخر من الحوار، تحدّث عبدالوهاب الرشيد عن دور الجمعية الاقتصادية الكويتية، مشيرًا إلى أن الجمعية قامت بجهود تطوعية، من بينها تنظيم مؤتمر حول تنويع القاعدة الاقتصادية في الكويت برعاية سمو الأمير، وخرجت بتوصيات متعددة حول كيفية تنويع الاقتصاد. لكنه أكد أن الدور الأكبر يبقى على صناع القرار، وأن المطلوب هو دعم مجتمعي حقيقي للرؤى الاقتصادية والتنموية.

وتطرقت المقابلة أيضًا إلى ملف الوعي المجتمعي بالإصلاح الاقتصادي، حيث أوضح عبدالله السلوم أن غياب الوعي المجتمعي يمثل عائقًا كبيرًا أمام تطبيق إصلاحات مثل ضريبة القيمة المضافة. وذكر أن الإصلاح الاقتصادي لا يأتي دون تكلفة، وأن المجتمع والحكومة مطالبان بتحمل جزء من هذه التكلفة من أجل تحقيق مكاسب مستقبلية. وقارن السلوم بين الكويت والسعودية، موضحًا أن السعودية استفادت من مركزية القرار في تطبيق بعض الإصلاحات ضمن رؤية 2030، بينما تعاني الكويت من تشتت القرار وضعف المركزية في الملفات الاقتصادية والتنموية.

كما ناقشت الحلقة قضية المشاريع الكبرى والبنية التحتية وتأخر التنفيذ، وذلك من خلال عرض آراء من الشارع الكويتي حول تأخر المشاريع، وازدحام الطرق، وضعف الصيانة، والحفر، وتأخر فرص العمل للخريجين. وقد استخدم النقاش هذه الملاحظات للانتقال إلى سؤال أوسع حول كفاءة الإنفاق الحكومي، وجودة الخدمات، ومدى قدرة الدولة على تحويل الإنفاق الضخم إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن.

وفي محور مهم حول الاستشارات والدراسات الاقتصادية، شدد عبدالوهاب الرشيد على أن الكويت أنفقت مبالغ كبيرة على الدراسات، وأن المشكلة لم تعد في نقص الدراسات بل في غياب التطبيق. ودعا إلى منح الكفاءات الوطنية فرصة أكبر في وضع الرؤى والسياسات، بدلًا من الاعتماد المفرط على المستشار الأجنبي الذي قد لا يمتلك الارتباط الحقيقي بالأرض والمجتمع والمستقبل المحلي.

أما عبدالله السلوم، فقد ركّز في حديثه على الخلل البنيوي في النظام الاقتصادي، مؤكدًا أن الاعتماد المستمر على النفط يجعل دعم الكفاءات أقل أثرًا ما لم تتحول الدولة إلى اقتصاد إنتاجي حقيقي. وشرح أن كثيرًا من الكفاءات التي درست في الخارج تصطدم عند العودة إلى الكويت ببيئة عمل محبطة، ما يدفعها في النهاية إلى الاكتفاء بالوظيفة والراتب بدلًا من الإبداع والإنتاج. كما أشار إلى أن النظام السياسي والانتخابي يجعل تمرير الإصلاحات الاقتصادية الصعبة أمرًا معقدًا، لأن النائب الذي يشرّع إجراءات قد تكون مؤلمة للمواطن اليوم من أجل مصلحته المستقبلية قد يخسر دعم الناخبين.

وتناول الحوار كذلك ملف الضرائب في الكويت، حيث اتفق الضيفان على أن الحديث عن الضرائب يصبح صعبًا في ظل تراجع جودة الخدمات وضعف الثقة في آلية إنفاق المال العام. وأوضح عبدالوهاب الرشيد أن المواطن إذا دفع ضريبة، فمن حقه أن يرى في المقابل خدمات أفضل وتمثيلًا ومحاسبة واضحة في طريقة إدارة الأموال العامة.

وفي نهاية اللقاء، ناقش البرنامج موضوع خلجنة المشاريع، حيث بيّن عبدالله السلوم أن فرض نسب توظيف خليجية أو محلية على المستثمر الأجنبي قد يكون عائقًا إذا لم تكن الكفاءة والإنتاجية متوافرة بالمستوى المطلوب. وأوضح أن الاقتصاد الذي يريد منافسة العالم يجب أن يركز على الكفاءة والإنتاجية لا على مجرد التوظيف الشكلي. وفي المقابل، عبّر عبدالوهاب الرشيد عن دعمه القوي للمشاريع الصغيرة والمبادرات الشبابية، مشيرًا إلى أن اقتصادات كبرى مثل الاقتصاد الأمريكي والأوروبي قامت على شركات بدأت كمشاريع شبابية، مثل تويتر وسناب شات وأوبر، ثم تحولت إلى شركات ضخمة توفر آلاف الوظائف.

تقدم هذه المقابلة نقاشًا ثريًا حول مستقبل الاقتصاد الكويتي والخليجي، رؤية الكويت، رؤية الخليج ما بعد 2030، تنويع مصادر الدخل، إصلاح التعليم، المشاريع الصغيرة، ضريبة القيمة المضافة، دور الجمعية الاقتصادية الكويتية، المركزية في اتخاذ القرار، ومشكلة الاعتماد على النفط. كما تبرز الحلقة الفجوة بين حجم الإنفاق الحكومي وجودة النتائج، وتطرح أسئلة جوهرية حول كيفية بناء اقتصاد خليجي مستدام يقوم على الإنتاجية، الكفاءة، الوعي المجتمعي، والمساءلة.
مقالات ذات صلة