طواف الرمزية.. بين حقبة وأخرى
15 يونيو 2026
قارئ
استمع
إشعارات
تأمل في تحولات الرمزية عبر حقب الإعلام، حيث تتبدل الأدوات وتبقى الغايات، ويمضي الإنسان في سعيه بين الإدراك والابتلاء وحكمة التدافع.
تكرار يتسارع مع كل حقبة؛ كأنه طواف في دائرة فسيحة، غير أن محيطها يضيق يوما بعد يوم. غايات ثابتة، أما الأدوات فتتبدل وتتجدد كلما تبدلت الحقب. وهذه الغايات، وإن اختلفت صورها وتباينت مضامينها، ليست في آخر الأمر إلا انبثاقات من غاية الإنسان إلى تحصيل صلاحه؛ دينا كان ذلك الصلاح أو دنيا، وهو يمضي خلال ابتلاءات قدرها الله له، مستعينا بأدوات عصره، محاولا أن يفقه سر تجددها كلما تبدلت الحقب. غايات تُترجم على شكل سعي تقوده قراءة وإدراك، فإما أن يصيب المرء منه حظا بفضل من الله وحكمة آتاه الله إياها، وإما أن تخيب قراءته، فتغدو ابتلاءً يلقاه، ويلقاه غيره في سعي آخر. وهكذا دواليك.

ولأدوات السعي منطق يحكمها؛ فهي لا تفضي إلى غاياتها لمجرد وجودها، بل حين يدركها قدر من الساعين في الطواف ذاته، فيحسنون استعمالها ضمن شرط الحقبة التي وُلدت فيها. ومن هنا كان ما يحقق غاية اليوم عاجزا عن تحقيقها بالأمس، وكان ما أفلح في الأمس قاصرا عن بلوغها اليوم؛ إذ ليست الأداة نافعة بذاتها، بل بما يتهيأ حولها من قبول عام بنفاذها في تحقيق غاية السعي. وما إن ينتهي ذلك القبول حتى تتشظى معه جدوى السعي بتلك الأداة.

والإعلام ليس في معزل عن هذا الطواف. فقد أسهم الإعلام التقليدي في قيادة الرأي العام في حقب سابقة؛ ليس لكونه أداة قائمة وحسب، بل لأن زمنا بعينه هيأ له قبولا عاما بوصفه وسيطا صالحا لبلوغ تلك الغاية. وما كان لذلك القبول أن يستقر لولا أنه أدى وظيفة أعمق من نقل الخبر أو ترتيب القول؛ وظيفته في تحقيق الغاية الأمّ، وهي الرمزية، التي تمنح الأداة معناها، وتجعل الإنسان يلتف حولها في سعيه المتكرر إلى غاياته، مهما اختلفت آليات عملها أو تبدلت صورها بين حقبة وأخرى.

ثم جاء الإعلام الرقمي لينهي تلك الحقبة على نحو جارح، ويفتح مسارا آخر لبلوغ الرمزية ذاتها، لكن بأدوات فرعية أكثر تبدلا وأسرع تجددا. صار الظهور من خلاله محكوما بقواعد لم تألفها الحقب السابقة؛ قواعد تمنح الرمزية لمن يحسن مخاطبة لحظتها، لا لمن يستند إلى رسوخ سابق أو مقام موروث. لذلك استطاع الإعلام الرقمي، في بدايات صعوده، أن يقود الرأي العام زمنا، وأن يزاحم الوسائط القديمة على سلطانها. غير أن هذا الزمن لن يطول كما طال ما قبله؛ فالدائرة التي كان الإنسان يطوف فيها لا تزال تضيق، ومحيطها ينقص يوما بعد يوم.

ولعلنا نشهد اليوم عزوفا متزايدا عن التأثر بالإعلام الرقمي، أو الخوض في لِجَج وسائل التواصل الاجتماعي. وليس مردّ ذلك إلى موقف سياسي بعينه، ولا إلى نزعة اجتماعية مخصوصة، بل إلى أثر معاكس لما تقتضيه رغبة الإنسان في بلوغ رمزيته؛ إذ أوشك أن يدرك أن الحابل قد اختلط بالنابل، وأن التفاعل، وإن حمل شيئا من الحق، يضيع في ضجيج كثير من الباطل. ولما كانت كل حقبة تتزين بذكاء أشد تركيبا، مستندا إلى ما تراكم قبلها من معطيات وتجارب، ظن الإنسان أن الحاضر طور جديد في حقيقة السعي نفسه، ولم يتنبه إلى أن الجدة في الأداة لا في الغاية، وأن الطواف لم يتبدل، وإنما تبدلت وسائله.

قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. فإن كانت مرحلة التأثر بالإعلام الرقمي قد حملت مساوئ كثيرة، فقد حملت كذلك محاسن لا تنكر؛ إذ لولاها لاستبد من كان قائما على الإعلام التقليدي، ولبقيت الرمزية أسيرة أبواب محدودة، لا يدخلها إلا من أذن له حراسها. واليوم، وقد بلغ الإعلام الرقمي طورا يتراجع فيه مدى أثره الفعلي، فإن في تبدل الواقع حكمة لله لا نحيط بها بعد؛ إذ قد تكون الأداة حين تبهت قد أدت ما عليها، وآن لطواف الرمزية أن يطلب مسارا آخر.

عبدالله السلوم
الرسائل الهادفة والاستفسارات محل ترحيب دائم. تواصل
ومضات
ليست الأداة نافعة بذاتها، بل بما يتهيأ حولها من قبول عام بنفاذها في تحقيق غاية السعي.
تكرار يتسارع مع كل حقبة؛ كأنه طواف في دائرة فسيحة، غير أن محيطها يضيق يوما بعد يوم.
قد تكون الأداة حين تبهت قد أدت ما عليها، وآن لطواف الرمزية أن يطلب مسارا آخر.
غايات ثابتة، أما الأدوات فتتبدل وتتجدد كلما تبدلت الحقب.
المزيد من ومضات
مقالات ذات صلة