البدايات لا تكفي
22 يونيو 2026
الاقتصاد-الكويتي
قارئ
استمع
إشعارات
قراءة في حاجة الإصلاح الوطني إلى رؤية جامعة، وحوكمة تضبط المحاور، حتى لا تتحول المعالجات السريعة إلى سقف للإصلاح.
على امتداد عقدين مضيا، تسرّب إلى الفكر المؤسسي والثقافة المجتمعية ضرب مختلف من المنطق؛ منطق لا يحمل من المنطق الحق إلا ظاهره، ولا ينتسب إليه إلا بقدر ما ينتسب الاعتياد إلى الصواب. وقد أفضى هذا الترسخ، مع مرور الزمن، إلى التآلف مع ممارسات غير صحية على أكثر من صعيد؛ ممارسات أنكرتها الفطرة أول الأمر، ثم أضعف التكرار وقع إنكارها، حتى غدت مألوفة بعد أن كانت مستنكرة.

ومن ثم، فإن من لم يقبل بهذا المسار، أو لا يزال يأبى التسليم به، لا يكفيه أن يعارض نتائجه الظاهرة، بل عليه أولا أن يعيد المنطق إلى موضعه، وأن يصحح ميزان الفكر الذي نشأت عنه تلك الممارسات. فإذا استقام الميزان، أمكن البناء على مكاسب المنطق الرشيد، لا لمجرد إزالة الخلل، بل للنهوض بغايات أسمى، وأبعد أثرا، وأكثر اتصالا بمعنى الإصلاح الحق.

وعلى صعيد الإصلاح الوطني في المراحل الانتقالية، تكاد تجارب كثيرة في دول العالم تشترك في اللجوء إلى مزيج من المعالجات السريعة والمكاسب المبكرة، بوصفه نهجا مرحليا تفرضه الحاجة حين يختل الميزان، ويغدو ردّ المنطق إلى موضعه شرطا لازما قبل الانتقال إلى ما هو أعمق. غير أن جدوى هذا النهج، مؤسسيا وثقافيا، لا تتحقق بمجرد إنجاز تلك المعالجات، بل بقدر ما يكون مؤقتا، ومنضبطا، وممهدا لإصلاح أوسع؛ إذ ليست المعالجات السريعة غاية في ذاتها، وإنما هي إزالة أولية لما لا ينبغي أن يكون موضع جدل أصلا.

ويكمن التحدي الحقيقي في الزمن الذي تستغرقه هذه المرحلة، وفي قدرة القائمين عليها على العبور منها قبل أن تتحول من مدخل للإصلاح إلى سقف له. فمتى ما استشعر الرأي العام أن الدولة تطيل الوقوف عند حدود البديهيات، أو أن ما يُطرح بوصفه إصلاحا لا يتجاوز تصحيح المسلمات، تراجعت قيمة المرحلة في الوعي العام، وكثر الظن بأن القائمين على النهج لا يملكون رؤية تتجاوز تلك الحدود، ولا مشروعا أعمق مما تم إنجازه في بدايته.

ولا شك أن فاعلية تلك المرحلة، متى أريد لها أن تستقر في البناء المؤسسي لا في حدود المبادرة العابرة، تقتضي أن يبدأ العمل من صياغة رؤية واضحة، تنبثق عنها أهداف رئيسية يُقاس بها مدى الاقتراب من تلك الرؤية، ثم توزع تلك الأهداف على محاور كبرى تتداخل فيها الأبعاد التشريعية والتنفيذية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية. وعلى هذا الأساس، تتولى الفرق المعنية في كل محور تحويل الرؤية العامة إلى استراتيجية رئيسية قابلة للتنفيذ، ثم تفصيلها إلى أهداف فرعية أكثر تحديدا، تتولد عنها استراتيجيات جزئية وبرامج عمل متسقة.

كما أن البدايات الأولى في المراحل الانتقالية قد تستدعي قدرا من الرقابة المركزية، كأداة مؤقتة لضبط الإيقاع، وتسريع الإنجاز، ومنع تشتت القرار في لحظة تحتاج إلى حسم واتجاه واضح. غير أن هذه الرقابة، متى طال أمدها أو اتسع نطاقها، قد تتحول من وسيلة لضمان الفاعلية إلى عبء يستهلك طاقة الإدارة ويضعف قدرتها على التوسع. فإذا اتسعت قاعدة الإدارة، أو بدأت العثرات تظهر في صورة تغليب الأهداف الفرعية على الأهداف الرئيسية، أو تقديم محور على آخر من غير ميزان تكاملي، أصبح الانتقال إلى حوكمة آليات اتخاذ القرار ضرورة لا بد منها لتحقيق الرؤية. ذلك أن الحوكمة لا تبطئ الإنجاز متى أحسن بناؤها، بل تخفف الكلفة المتكررة للرقابة المركزية، وتحفظ سرعة الأداء ضمن إطار من الاتساق والمساءلة، حتى لا تصبح السرعة غاية تعاكس الإصلاح بدل أن تخدمه.

ومن هنا تبدو الحاجة، في الحالة الكويتية، إلى قدر أعلى من الاتساق بين المحاور، لا إلى مزيد من الحركة المنفردة داخل كل محور. فبعض المحاور قد يحقق تقدما لافتا في سرعته وحضوره، غير أن هذا التقدم لا تُقاس قيمته بذاته، بل بمدى خدمته للرؤية الجامعة، وبمدى اتصاله بالمحاور الأكثر أثرا في مستقبل الدولة وقدرتها على العبور. ذلك أن الإصلاح لا ينهض بمحور متقدم وآخر متعثر، ولا يستقيم حين يصبح تفاوت الأداء بديلا عن تكامل المسار.

والأخطر من تفاوت الأداء أن تتحول بعض المحاور، دفعا لإثبات الحضور أو اتقاء للغياب، إلى تسويق إنجازات محدودة الأثر، لا تمس لبّ المرحلة ولا تخدم أهدافها الرئيسية. وحين تغدو البديهيات إنجازا، وتصبح المعالجات الدنيا عنوانا للتقدم، فإن الخلل لا يكون في بطء الإصلاح وحده، بل في اضطراب ميزانه، وفي انتقال الجهد من تحقيق الرؤية إلى تبرير الموقع داخلها.

لذلك، فإن التحدي الأعمق اليوم يكمن في ردّ كل محور إلى مكانه من الرؤية الأكبر، وربط سرعته بأثره، وحضوره بجدواه، وإنجازه بما يضيفه إلى المسار الوطني لا إلى صورته المنفردة. فمتى ما تحولت الساحة إلى تنافس بين المحاور، لا تكامل بينها، خدم كل محور ذاته، وضعفت الرؤية التي جاءت تلك المحاور أصلا لخدمتها. والإصلاح الحق لا تتحقق جدواه بكثرة المسارات المتفرقة، بل بوحدة الاتجاه، واستقامة الميزان، وقدرة الدولة على أن تجعل من الإنجاز الجزئي لبنة في بناء وطني أوسع، لا سقفا يزاحم الغاية التي من أجلها بدأ الإصلاح.

فاللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا..

عبدالله السلوم
الرسائل الهادفة والاستفسارات محل ترحيب دائم. تواصل
الاقتصاد-الكويتي
ومضات
الحوكمة لا تبطئ الإنجاز متى أحسن بناؤها، بل تخفف الكلفة المتكررة للرقابة المركزية، وتحفظ سرعة الأداء ضمن إطار من الاتساق والمساءلة.
وحين تغدو البديهيات إنجازا، وتصبح المعالجات الدنيا عنوانا للتقدم، فإن الخلل لا يكون في بطء الإصلاح وحده، بل في اضطراب ميزانه.
الإصلاح الحق لا تتحقق جدواه بكثرة المسارات المتفرقة، بل بوحدة الاتجاه، واستقامة الميزان.
المزيد من ومضات
إجابات
كيف تتحول الرؤية الإصلاحية إلى عمل مؤسسي؟
تتحول الرؤية إلى عمل مؤسسي حين تنبثق عنها أهداف رئيسية واضحة، ثم توزع على محاور كبرى، وتتولى الفرق المعنية ترجمتها إلى استراتيجيات وأهداف فرعية وبرامج عمل متسقة.
المزيد من إجابات
مقالات ذات صلة